القامشلي وإعادة إحياء أزمة الثقة السورية

دلشاد عثمان

لم يكن مُستغرباً ان تكون القامشلي  رابع المدن السورية التي خرجت لتنادي بالحرية بعد ان سبقتها بعض المدن السورية الثائرة , القامشلي التي كانت سباقة دوماً للمطالبة بالحرية و العدالة و المواطنة و الحقوق الثقافية و الإنسانية التي حُرم منها الكورد و غير الكورد في سوريا.

كافة الأحزاب الكوردية السورية تنتهي بكلمة ( سوريا ) لم يعزل البيت السياسي الكوردي نفسه عن الساحة السورية , اغلب اوجه المعارضة السورية ماقبل الثورة كانت حاضرة و بشكل دائم في البيت السياسي الكوردي , و ما أكثرهم ممن شعروا بالحاجة الملحة للدخول الى هذا العالم الذي عُّمي عليه بواسطة النظام بتهم عديدة على رأسها الانفصالية , وأن الكورد مكون قومي جاء الى سوريا من دول الجوار ويحاول اقتطاع جزء من سوريا و ضمه لدول اجنبية …!

تلك التهمة التي لم يكلف من أجلها بعض السوريين نفسهم لقراءة و تصفح الأنترنت او بعض الكتب لمعرفة مكنون المنطقة و تنوعها الثقافي و الاثني و تطلعات جماعاتها السياسية , كانت سبباً لترسيخ تلك التهم في العقول و الاجيال التي تلت البعث , و ماهو إلا ظلم مجحف بحق اكثر المناطق جمالاً في سوريا.

انعزل الكورد عن المكون الوطني ثقافياً و حتى اجتماعياً , باتوا مجتمعاً كوردياً بحتاً بكافة نشاطاته الثقافية و السياسية , هذا ما اراده النظام!  ووافق عليه البعض في تلك الفترة , إلا انه لم يكن سبباً كافياً -إخفاء الفتاة التي كُنت احب عني -لأني كُوردي و هي عربية- لعزلي عن الأمل الذي امتلكه بواقع سوري تحكمه المواطنة و العدالة الأجتماعية  و تقبل الأخر في المجتمع قبل السطة.

استمر الوضع الى ان بدأت الثورة السورية , عندما رُفع اكبر علم سوري في المظاهرات في شهر نيسان من العام 2011, و تم تسمية جمعة آزادي.

السوريون من الأخوة العرب من خارج حدود الجزيرة السورية , ليسوا مدركين كلياً لماهية تعقيد الوضع الذي زرعه النظام في المنطقة , و كيف استخدام النظام المكونات الأثنية في المنطقة من أجل ضربهم ببعضهم البعض , تكررت العديد من الحوادث التي نسفت الثقة في منطقة الجزيرة السورية , ابتداءً من حرمان الكورد عن الكراسي و المناصب في المجالس البلدية و الوظائف الهامة, وصولاً لإنتفاضة آذار في العام 2004 مروراً باغتيال الشهيد معشوق الخزنوي و ما تلاه من عملية استغلال مؤلم لمكونات اجتماعية في وجه الكورد في سوريا كما حصل في العامين 2005 و 2006 عندما تم نهب كل محل تجاري يمتلكه شخصي كوردي, تفاقمت الكارثة وصولاً الى العزل الكامل مما وضع المنطقة على كف عفريت كما يقال ,يعمل على تفجيره البعثيون و من خلفهم النظام بوجه البشر , فينشر السلاح فيما بينهم , لتبدأ عمليات التصفية و التخريب و يزداد الحقد الإثني.

لم نكن ككورد سعيدين بسلاح بعض الأطراف الكوردية الذي كان موجهاً لصدور الكورد لا لغيرهم, منذ بدء الثورة السورية لذرائع عديدة منها عدم جر المنطقة لحرب اهلية و المحافظة على السلم الأهلي, ووضع الكورد على الجرح ملح كما يقال , لكي لا نخلق حرباً كوردية كوردية , تاريخنا فيها اسود.

تفهم الكورد و الأخوة العرب في المنطقة المشاكل العالقة منذ زمن مما جعلهم مقتنعين بمؤيديهم و معارضيهم , بعدم حمل السلاح لأي ذريعة كما كان يحصل في باقي المدن السورية, تلك الخطوة التي يعتبرها البعض تقاعساً , لم تكن مدعومة بكافة الأسباب التي تجعل من عدم حمل السلاح في الجزيرة السورية نعمةَ و ليس بنقمة.

يظهر الجهل الشامل بطبيعة المنطقة – و هنا لا الومهم بسبب ضعف الأعلام الحزبي و السياسي الكوردي – باعتبار ان المشروع الكوردي هو مشروع انفصالي , مستنسخين التجربة السودانية و الفلسطينية كقالب جاهز ناسفين كل التضحيات التي قدمها الكورد منذ تأسيس الدولة السورية على جميع الأصعدة متناسين كل ما ذُكر و مستخرجين لكافة الأمراض الممكنة– الكوردوفوبيا – التي زرعها البعث.

يحلم السوريين و انا منهم ,بعدالة اجتماعية تحكمها مواطنة تجعل من الجميع متساويين , متناسين ان بعض السوريين لم يمارسوا تلك المواطنة و بل كانوا وجهة للاتهامات الجاهزة متمايزين بطبقات عدة بحسب تصنيفات المجتمع.

لم أكن سورياً يوماً , اقولها فعلاً , بل كنت متهماً بانتمائي لسوريا , كشعور اي لاجئ في بلد غريب! ” انتو من وين جيتو؟” عندما يكون المركز الثقافي عربياً , و المدرسة عربية و حتى فرن الخبز عربياً و اخرج متسللاً من منزل المتطوع الذي عمل على تعليمنا اللغة الكوردية التي لا اتقنها بسبب البعث ومن خلفه البعثيون, لم تكن تلك الممارسات إلا حجّراً صحياً على مفهوم المواطنة و ترسيخاً لفكرة الاضطهاد القومي لأشب عليها.

منذ بداية الثورة , كان لجوء الكورد السوريين الفارين من الاعتقال و المنشقين من الجيش ,بدون اي تفكير الى كوردستان العراق محتمين بأبناء العموم هناك و عدم لجوئهم الى تركيا كبقية السوريين إشارةً واضحة بأن البيت الكوردي مازال منكمشاً على نفسه ليس بغريب! فكوردستان العراق هي من احتوت الطلبة الكورد الذين فُصلوا من جامعاتهم السورية في الاعوام السابقة متهمين بإنتماهم القومي.

و فشلت المعارضة السورية بإدراك ماهية القضية الكوردية و جذورها و كيفية التعامل معها , بسبب الجهل , ذاك الجهل الذي تجلى بتجارب عديدة محبطة أولها مجلس الانقاذ و الالتفاف السخيف الذي حصل مما وضع الكتلة الكوردية تحت ضغط الأنسحاب وكان سبباً كافياً لفشل المجلس بكامله .

من ثم عدم دخول الكتلة السياسية الكوردية للمجلس الوطني السوري , و هنا اتفهم عدم دخولهم بالسؤال الذي وجهه لي رئيس المجلس الوطني السابق الدكتور برهان غليون – الذي احترمه – بأن المجلس الوطني الكوردي هم الكتلة التي تريد الانفصال ماهيك؟! علماً ان المجلس الوطني الكوردي لا يحتوي بأدبياته السياسية حتى على مطلب الفيدرالية!

ذاك الجهل الذي تنبئ بمستقبل – العزل السياسي – الذي مارسه البعثيون سابقاً بحق الكورد كمكون قومي شريك في الوطن , و اراء النخب المثقفة و انصافهم التي بدأت بأحياء تلك الافكار البعثية العفنة برأس الشعب حالياً, ليس إلا حجّراً صحياً جديداً في سبيل رومنسية تحتاج الكثير من العمل الجدي من جميع الأطراف.

الجزيرة السورية اليوم على تقاطع نيران عدة , و لن يتوانى النظام ولا اي طرف مسلح عن جر المنطقة لحريق تجتمع فيه كافة الاسباب المسرعة للاشتعال , من عدم الثقة , و التاريخ الأسود  , و الارتباطات الخارجية, قضية الحزام العربي و مشاكل الأراضي الزراعية , تلك المشاكل المترسخة التي  قد تُشعل سوريا و المنطقة بأكملها, و لن تُخمد إلا بنزع السلاح من الجميع.

أقول قولي هذا و استغفر الله لي و لكم و اعلن كرهي للسلاح

لمعلومات اكثر عن تصنيفات الاحزاب الكوردية و المجالس و الجماعات المسلحة راجع تدوينتي السابقة

الساحة السياسية الكوردية و تداعيات أحداث الأشرفية

Share Button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.